ابن ميثم البحراني
4
شرح نهج البلاغة
ومُرَافَقَةَ الأَنْبِيَاءِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ - وإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ عَنْ عَشِيرَتِهِ ودِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وأَلْسِنَتِهِمْ - وهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةً مِنْ وَرَائِهِ وأَلَمُّهُمْ لِشَعَثِهِ - وأَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ - ولِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اللَّهُ لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ - خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُوَرِّثُهُ غَيْرَهُ أقول : الغفيرة : الكثرة والزيادة . وروى عفوة بكسر العين ، وعفوة كلّ شيء صفوته . وغرى يغري بالأمر إذا ولع به ، وأغريته به : إذا حثثت له الدخول فيه . والفالج : الفائز . والياسر : اللاعب بالميسر . وسنذكر كيفيّته . والقداح : سهام الميسر الَّتي يلعب بها ، والتعذير اظهار العذر ممّن لا عذر له في الحقيقة ، وعشيرة الرجل : قبيلته والمعاشرون له ، والحيطة بالكسر : الحفظ والرعاية ، واللمّ : الجمع . والشعث : تفرّق الأمر وانتشاره . واعلم أنّ مدار هذا الفصل على تأديب الفقراء بترك الحسد ونحوه أوّلا ، وعلى تأديب الأغنياء بالشفقة على الفقراء ومواساتهم بالفضل من المال وتزهيدهم جمعه ثانيا . فقوله : أمّا بعد فإنّ الأمر ينزل إلى قوله : أو نقصان . صدر الخطبة . أورده ليبنى عليه غرضه ، وحاصله الإشارة إلى أنّ كلّ ما يحدث من زيادة أو نقصان ويتجدّد فيما يكون به صلاح حال الخلق في معاشهم ومعادهم من صحّة أو مال أو علم أو جاه أو أهل فإنّه صادر عن القسمة الربّانيّة المكتوبة بقلم القضاء الإلهيّ في اللوح المحفوظ الَّذي هو خزانة كلّ شيء . والمراد بالأمر حكم القدرة الإلهيّة على الممكنات بالوجود وهو المعبّر عنه بقوله تعالى : كٌن : في قوله : « إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ » وبنزوله نسبة حصوله إلى كلّ نفس بما قسمّ لها وهى النسبة المسمّاة بالقدر في قوله تعالى « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » ( 1 ) والمراد بالسماء سماء الجود الإلهيّ وبالأرض عالم الكون والفساد على سبيل استعارة هذين اللفظين للمعنيين المعقولين من المحسوسين ، ووجه الاستعارة في الموضعين
--> ( 1 ) 15 - 21 .